الشيخ السبحاني

59

رسائل ومقالات

فاللبنة الأُولى في بناء الشخصية الصالحة أم الطالحة هي ما يرث الولد من الوالدين من الفضائل والرذائل ، وقد كشف العلم أنّ الجينات الموجودة في النطفة الإنسانية سبب طبيعي وعامل لانتقال هذه الصفات من الوالدين إلى الطفل . وأمّا الثاني فيأتي دوره بعد دور الوراثة حيث إنّ المعلّم يمثِّل المدرسة التربوية الثانية بعد مدرسة الأبوين ، ولهذا يكون دور التعليم في مصير الطفل دوراً حسّاساً في قلبه . وأمّا الثالث فيأتي دوره إذا أتمّ دراسته وبدأ ممارسة العمل ، فعندئذٍ يتأثر في سلوكه وخُلقه بالبيئة التي يعيش فيها ، فإذا كانت العوامل الثلاثة متجانسة في الغاية والأثر ، يقع الكلّ في طريق تكوين الشخصية الواحدة بلا صراع بينها ولا نزاع ، وأمّا إذا كان بينها نزاع وصراع في الغاية والدعوة ، فتكون النتيجة من حيث السلوك ، تابعة لأقوى العوامل وأرسخها في الروح وهو يختلف حسب اختلاف تأثير الأوفر سهماً من هذه ، ولأجل ذلك يوجد من يختار سلوك الآباء كما يوجد من يتركه ويقتفي أثر الثقافة أو البيئة . وعلى كلّ تقدير فالإنسان مختار صورة ، لكنّه مسيّر سيرة يخط مصيره هذه العوامل أو أقواها تأثيراً . يلاحظ عليه : أوّلًا : بأنّ ما ذكر من تأثير العوامل الثلاثة في بناء الشخصية أمر لا غبار عليه ، إنّما الكلام في كونها علّة تامّة أو معدّات تُوجِد أرضية لنمو مقتضاها ، ولا توجد حتمية ، غير قابلة للتغيير : أمّا العامل الأوّل فلا شكّ في تأثيره ، وقد قال سبحانه : « وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً » . « 1 » وفي الآيات والروايات

--> ( 1 ) . الأعراف : 58 .